عودة الياس العماري: بين الأسطورة والواقع السياسي

30 يونيو، 2023 - 13:22 الرئيسية تابعونا على Lwatan

lwatan.com

رشيد بوهدوز 

عندما يتلاشى السياسيون من الأذهان وتصفو الساحة السياسية، هناك بعض الشخصيات التي تنبعث من العدم وتعود بقوة لتذكر العالم بوجودها. واحدة من تلك الشخصيات هي الياس العماري، الذي ظهر مجددًا كالفنيق الذي ينهض من رماده.

ورغم أن العماري أكد أن عودته ليست سياسية، بل تأتي كنتاج لعشقه الشديد للإعلام ورغبته في العودة إلى مجاله الأصلي. ويشير إلى تجربته الطويلة في مجال الإعلام والنشر وتأسيس الصحف، وكذلك خبرته في الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، مما يجعل عودته مفهومة من هذا المنطلق.

من المهم أن نأخذ في الاعتبار أن عودة العماري تأتي في سياق تحولات سياسية واجتماعية في المملكة المغربية لا تبشر بالخير. فالساحة السياسية قد تشهد تحركات ملحوظة وتغيرات في الأطراف السياسية المهمة كمخرجات لامتصاص السخط الشعبي على أداء الحكومة الحالية. وقد تترجم هذه التحولات رهانات سياسية جديدة. وفي ظل هذا السياق، قد تكون عودة العماري ضرورة للتأقلم مع هذه التغيرات وملأ الفراغ الملحوظ الذي خلفه غيابه، فلا يمكننا تجاهل الشكوك المثارة حول طبيعة هذه العودة.

إن عودة زعيم سابق كبير، والذي كان له دور بارز في الساحة السياسية، لا يمكن أن تمر دون أن تثير عدة تساؤلات حول الأهداف والنوايا، فقد تكون هذه العودة مجرد مقدمة لعودة سياسية محتملة مستقبلا، حيث يستخدم العماري هذه الفترة لإعادة بناء قاعدة دعمه وتوطيد علاقاته السياسية استعدادا لانطلاقة جديدة.

ويترقب الكثيرون بشغف عودة الياس العماري، الشخصية السياسية الوطنية المحبوبة، التي عاشت على مدى سنوات عديدة في عزلة وتوارت عن الأنظار. وبالرغم من تأكيده على زهده في السياسة، إلا أن هناك من يروج لفكرة أن عودته للأضواء قد تكون مقدمة لدوره كمحرك للساحة السياسية. فما هو الحقيقي وما هو الأسطوري في قصة الياس العماري؟

الياس العماري، الشاب الذي نشأ في الريف وصعد درجات النجاح والتألق ليصبح رجلاً سياسيًا نافذًا في المركز، يحمل في طيات حياته قصة تلهم الكثيرين. وُلد في أسرة متوسطة، حيث كان والده فقيهًا وأمه تربي الدجاج، كما يحلو له وصفها بكل بساطة وفخر، هذا الأصل المتواضع لإياس العماري رسم له طابعًا فريدًا وحبسه في ذاكرة الناس، فهو يجسد قصة النجاح الذي يمكن لأي شخص أن يحققه، وأن النجاح السياسي يمكن ان يولد من رحم القرى المنسية.

عاش الياس العماري حياة إجتماعية صعبة كشاب مطارد بسنين من السجن وهو يحمل على عاتقه صك تهم واهية، ومسيرة سياسية مليئة بالمحن والتحديات في مناهضته للظلم. ناضل في صفوف اليسار المغربي وكذلك في حركة الأمازيغية، حيث عمل على نشر الوعي والدفاع عن حقوق المهمشين والمنسيين وضحايا القمع السياسي والإثني الهوياتي. قصة عيشه مطاردا ومتخفيا عن أعين المخبرين والشرطة قادته ان يرافق الطلبة في أوج النضال الطلابي وجعل الكتب والنقاشات السياسية متنفسه الذي صقل لنا هذا السياسي المتفرد، هاته التجربة قد أضفت له الخبرة والتأريخ، وجعلته قامة وكفاءة سياسية لا يمكن تجاهلها.

 أبرز محطة في تاريخ إلياس السياسي انه الرجل الذي فضل كرامته على المنصب، فرفض التحالف مع الإسلاميين بانتخابات 2016، معتبرًا أن تحالفهم يتناقض مع قناعاته ومبادئه، وهو امر يستحيل ان يقدم عليه سياسي مغربي غيره.

ولكن، ما الذي يجعل الكثيرين يتساءلون عما إذا كانت عودة الياس العماري إلى الأضواء هي مجرد “مقدمة” للعودة إلى الساحة السياسية؟ قد يكون الجواب في العديد من العوامل التي تحيط بظهوره المفاجئ. فإلياس العماري هو الشخصية المثيرة والغامضة التي تحمل في طياتها الكثير من الأسرار والإشارات. قد يكون حضوره في الحوار مع موقع هيسبريس مجرد خطوة أولى للخروج من عزلته وتواريه عن الأنظار، لكن هناك من يرى في ذلك رمزًا لعودته المحتملة إلى الساحة السياسية.

لا يخفى على الجميع أن الياس العماري ترك فراغًا لم يستطع أحد ملأه خلال غيابه عن الأضواء. إنه الشخص الذي كان يعتبره البعض “محرك الدمى”، فهو الشخصية التي تتلاعب بالخيوط السياسية وتحركها ببراعة ودهاء. وإذا كان إلياس العماري ينوي العودة للساحة السياسية، فإن هذا سيكون بمثابة تحدٍ للتوقعات والتحولات المستقبلية.

على صعيد آخر، قد يكون لعودة الياس العماري تأثيرًا كبيرًا على سياسة تهميش الريفيين سياسيًا، خاصة في حزب البام الذي شغلو فيه مناصب بارزة قبل تواريه عن الأنظار. ويعكس عودته تصعيدًا وتحركًا جديدًا في المشهد السياسي، فقد يكون لهذه العودة تأثيرًا إيجابيًا على تمثيلية الريفيين في البام وتلبية احتياجاتهم السياسية واجتماعية وبدأ مصالحة جديدة مع المكون الريفي سياسيا.

يمكننا ان نشبه عودة الياس العماري بالحكاية الأسطورية عن قصة الطائر الذي يغادر عشه ويتجول في الأفق، ثم يعود إلى عشه محملاً بخبرات جديدة ورؤى متجددة. هكذا يمكن أن نرى عودة الياس العماري، فقد غادر الساحة السياسية لفترة، ولكنه الآن يعود بعد تجربة غنية وتراكمات سياسية قد تجعله أكثر قوة وتأثيرًا في المستقبل.

“الإرادة الحقيقية لا تعرف الوقت ولا تنحصر في الظروف”، هذا ما يمكن تطبيقه على عودة الياس العماري. فالإرادة الحقيقية والشغف السياسي قد يتغلبان على العزلة والتواري عن الأنظار، وقد يدفعان الشخصية السياسية إلى العودة والمشاركة في صناعة المستقبل.

في النهاية، يجب علينا أن نتذكر أن السياسة هي مجال متغير وقد يحمل في طياته الكثير من المفاجآت. ويبقى سؤال “هل هذا مقدمة لعودة الياس العماري للواجهة؟” قائمًا.

سيكون علينا الانتظار ومراقبة التطورات لنرى ما سيكشفه المستقبل. قد تكون عودته بداية لفصل جديد في السياسة المغربية، أو قد تكون مجرد تجربة للتعبير عن آرائه ومواقفه الحالية. في كل الأحوال، فإن عودة الياس العماري تظل حدثًا يثير الفضول والتساؤلات، ولا شك أنها ستستمر في توليف أوتار الحوار السياسي لفترة قادمة.